المرأة والهجرة.. للمحاضرة الدكتورة برلنت محمد وحيد

درب الاردن -
التقينا اليوم بمناسبة ذكرى الهجرة النبوية وأردت أن أتناول موضوع المرأة ودورها في الهجرة وأثر الهجرة عليها.
نحن كلنا نعرف ان هدف الهجرة الرئيسي كان: إيجاد المحضن الآمن للدعوة الإسلامية حتى تصل إلى الناس كافة مصداقا لقوله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) ومن أجل ذلك فقد كان لا بد من بناء الدولة؛ دولة الإسلام التي ترعى شئون الأمة.
والهجرة المطلوبة من المسلم باقية ليوم الدين وليس كما يتصور بعضهم أنها تقتصر على تلك الحادثة المشرفة وأصحابها، بل لو تعمقنا في التفكير لوجدنا أن تاريخ الرسل عليهم السلام كله هجرة حيث كانوا ينتقلون من بلد إلى بلد في سبيل الدعوة إلى الله عز وجل.. مثل إبراهيم عليه السلام الذي هاجر من العراق إلى فلسطين وموسى عليه السلام الذي هاجر بقومه من مصر ويعقوب الذي هاجر من فلسطين إلى مصر.
وذكر ابن القيم – رحمه الله أن عمر الإنسان هو عبارة عن السفر إلى ربه وهجرةٌ إليه.
وقال بعضهم أن لا هجرة بعد فتح مكة واعتمدوا في قولهم الحديث النبوي : «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استُنفِرتم فانفروا»[رواه البخاري]
ولقد فسر العلماء أن المقصود في الحديث توقف الهجرة إلى المدينة بعد تمكين الله للمؤمنين، أما الهجرة بمعنى التأهب للجهاد والهجرة الإيمانية، فتلك مستمرة، ويدل على ذلك قول النبي: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها» [أبو داود].
وقد قسم ابن القيم الهجرة إلى نوعين: هجرة بالجسد من بلد إلى بلد، وهجرة بالقلب إلى الله وهي الأصل. هجرة من محبة غير الله إلى ما يحب الله سبحانه
قال صلى الله عليه وسلم: (المهاجر من هجر ما نهى الله عنه) رواه البخاري
وعادة يكون المهاجر إلى ربه غريبا بين العباد، وحيدا على كثرة الجيران، منفردا في طريق طلبه، لأن أكثر الناس –للأسف– همتهم الدنيا ومصالحها.
عن عمر بن الخطاب( رض) قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنما الأعمالُ بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى؛ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبُها فهجرته إلى ما هاجر إليه» (رواه البخاري)
وإن كانت الهجرة هي الانتقال من حال إلى حال وإذا كنت تملك عقيدة متينة تنعكس على حياتك وسلوكك ومفاهيمك وقناعاتك إذن أنت من الذين هاجروا من الظلمات إلى النور ومن عبادة الدنيا إلى عبادة الله .
والهجرة بغض النظر كانت دنيوية أم ايمانية ليست سهلة بل مشوبة بالمشقة والقهر لأنها تقتضي مفارقة من نحب و ما نحب ومفارقة ما اعتدنا عليه لما يحب الله ويأمرنا، لذلك قال النبي ﷺ: اللهم إنك أخرجتني من أحب البلاد إليّ، فأَسكِنيّ أحبَ البلادِ إليك..
والذين قرروا أن يغيروا مجرى حياتهم إلى مناقض لها لابد أن يتعبوا، فتغيير الوطن مثلا إلى بلد آخر يقتضي أن نختلط بثقافة أخرى ونتقبلها ونُجهِد أنفسنا أن يتقبلونا.
ولما كان المحور الرئيسي لندوتنا (المرأة)، فذلك يضيف بعداً مهماً وهو دورها في بناء المجتمع الفاضل لأنها عنصر أساسي في أي مجتمع كان.
والمرأة المسلمة أسهمت في صياغة الحياة زمن النبوة، وقدمت نماذج نسائية صالحة للاقتداء والاعتبار، وإذا أردنا بيان دور المرأة المسلمة في الهجرة فقد كان للصحابيات دور عظيم وتضحيات كبيرة.
أول النساء المسلمات المهاجرات هن أربع نساء خرجن برفقة أزواجهنَّ إلى أرض الحباشة، عندما أذن لهم النبي ﷺ، وقد تحملن الكثير من الأذى في سبيلها إلى جانب الرجال، ومن تلك النساء من عادت إلى مكة أو المدينة لاحقًا بعد هجرته ﷺ، ومنهن من ماتت في أرض الحبشة أو في طريق عودتها. ومنها:
1- رقية بنت رسول الله هاجرت إلى الحبشة برفقة زوجها عثمان بن عفان، ثم هاجروا إلى المدينة، ولذلك كانت تُكنَىّ بذات الهجرتين.
2- أم المؤمنين أم سلمة وهي من السابقين في الإسلام، والتي هاجرت إلى الحبشة برفقة زوجها أبي سلمة، وعادت واياه بعد مدة إلى مكة وعندما أمر ﷺ المسلمين بالهجرة الى المدينة خرجت مع زوجها مهاجرة..
وقصة أم سلمة تبين لنا تماما أنواع الأذى التي قد يتعرض له المهاجر، وما تعرضت له أم سلمة في هجرتها من الصعب أن تتحمله أي امرأة. فقد كان من أمرها أنها لما أرادت الهجرة مع زوجها أبي سلمة وابنها، اعترض طريقهما (قبيلة أم سلمة) فمنعوها من مرافقة زوجها وغضبت (قبيلة أبي سلمة) ونزعوا منها ابنها حتى خلعوا يده.
فتقول أم سلمة كنت أخرج كلّ صباح أبكي حتى المساء، قريبًا من سنة، حتى رق بي قومي فقالوا الحقي بزوجك إن شئتِ. فردّت قبيلة زوجي لى ولدي وهاجرت معه وما معي أحد من خلق الله.
3- ليلى بنت أبي الحاكم هاجرت برفقة زوجها عامر بن ربيعة رضي الله عنه. إلى الحبشة وإلى المدينة وقبل انطلاقهم إلى الحبشة التقت عمر بن الخطاب، وهو على شركه وكان أشد الناس عداوة للإسلام، فقال لها: إنه الانطلاق يا أم عبدالله؟ فقالت نعم نخرج إلى أرض من أرض الله لا نؤذى في عبادته إذ آذيتمونا وقهرتمونا حتى يجعل الله لنا مخرجاً .
4- ومن مواقف المرأة المسلمة في الهجرة: ما روته السيدة أسماء رضي الله عنها، قالت: "لما خرج رسول الله إلى المدينة ومعه أبو بكر الصديق، أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل فسألني أين أبوك ؟ قلت: لا أدري فلطم خدي لطمة طرح منها قِرطي" .
ورحلة الهجرة كانت طويلة ما يقارب 500 كلم بين مكة والمدينة، إذ قامت السيدة أسماء وعائشة - رضي الله عنهما - بتجهيز الطعام للمهاجرين في الرحلة . وبالنسبة لدور المرأة فهي أقدر على تأمين الزاد، وهو يناسبها كامرأة كما ناسب أخاها عبد الله نقل الأخبار إذ هو بطبيعته أقدر لهذه المهمة.
ولما جاء والد أبي بكر وكان كفيفا فسال أسماء هل ترك أبو بكر لكم من مال فقالت أسماء لقد ترك لنا مالا كثيرا ثم أخذته بيده إلى كوة صغيرة في جدار البيت وضعت فيها شيئا من الحَصَى وغطته بقطعة قماش فوضعت يده عليها ليظن أنها نقود فقال إن ترك لكم هذا فقد ترك لكم خيرا كثيرا .
وفي كل هذه المواقف نرى أسماء المرأة التي لم يكن همها الدنيا ومصالحِها، وإنما نرى المؤمنة التي يُشغِلُها أمر الدعوة، فلا عجب أن تكتم السر بشجاعة، وتستقبل أبا جهل وأصحابه وهي قوية، وتشق نطاقَها وهي راضية، وتتحمل لطمَ خدِها وهي صابرة، وهي راضية أن تتحمل من أجل دينها ورسالتها.
من النماذج التي ذكرناها ندرك تماما أن مكان المرأة المسلمة هو جنب أبيها أو أخيها أو زوجها الرجل لرفع شأن كلمة الله وبناء المجتمع وإعلاء صوت الحق فيه.
فقال عليه الصلاة والسلام: (إنما النساء شقائق الرجال) .
فالحديث عن نساء لهن في الهجرة شأن لا ينقطع، ففي الأخير فقد أردت أن أذكر أول امرأة هاشمية هاجرت إلى المدينة سيرا على الأقدام وهي فاطمة بنت أسد زوجة عم النبي أبي طالب.. وأم (علي بن ابي طالب) رضي الله عنه. وكانت من ابر الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم وهي التي أحاطت الرسول بالاهتمام والرعاية وهو صغير فغدت بمثابة الأم له.
لما ماتت صلى عليها رسول الله صلاة لم يصلها على أحد من قبل حيث كبر عليها 40 تكبيرة.. فسأله عمار بن ياسر "لقد صليت عليها صلاة لم تصلها على أحد من قبل؟" فقال له عليه الصلاة والسلام: ( وهي اهل لذلك.. لقد كان لها من أبي طالب أولاد وكانت تشبعني وتجيعهم وتكسوني وتعْريهم).
ونحن بصدد الحديث عن الهجرة لا يمكن أن نمر دون الحديث عن هجرة الشعب الفلسطيني وتضحياته منذ الانتداب البريطاني عام 1917م والنكبة الفلسطينية عام 1948م والنكسة عام 1967م واليوم في غزة يتعرض الشعب الفلسطيني للتهجير القسري والاقتلاع من أرضه بجرائم حرب يندى لها جبين الإنسانية واليوم الشعب الفلسطيني في غزة يهُّجر داخل ارضه هجرات عديدة من الشمال إلى الجنوب وبالعكس ولكنه صامد على ارضه وأقول إذا كان المهاجرون قد وجدوا لهم أنصار فأهل غزة للأسف لا يجدون أنصارا.
تضحية المرأة الفلسطينية اليوم لم يمر لها مثيل حتى في عصر الصحابة فإذا كانت الصحابية الخنساء قدمت أربعة من أبنائها في القادسية فخنساء فلسطين قدمت خمسة من أبنائها في جنين شبابا كالأقمار نسأل الله عز وجل ان ينصر اشقاءنا في فلسطين على عدوهم الصهيوني.